الإمارات تُنضج منظومة المنافسة: قرار مجلس الوزراء رقم 59 لسنة 2026 يدخل حيّز التنفيذ في 30 يوليو
في 30 يوليو 2026 يبدأ سريان اللائحة التنفيذية الشاملة لقانون المنافسة الاتحادي في الإمارات، الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 59 لسنة 2026. أمام الشركات الكبرى وصناديق الاستثمار والمستشارين القانونيين ثمانية عشر يوماً لمواءمة صفقات الاندماج والاستحواذ والمشاريع المشتركة مع نظام رقابة مسبق إلزامي وموقف، تديره إدارة المنافسة في وزارة الاقتصاد والسياحة. من لا يُعدّل خارطة صفقاته قبل هذا التاريخ يعرّض إتمامها لمخاطر قانونية ومالية جوهرية.
ما الذي تغيّر فعلياً في تنظيم المنافسة الإماراتي؟
القرار رقم 59 لسنة 2026، الذي أصدره مجلس الوزراء في 20 أبريل ونُشر في الجريدة الرسمية في 30 أبريل، يُشكّل اللائحة التنفيذية الشاملة للمرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2023 بشأن تنظيم المنافسة. ويحلّ محل اللائحة القديمة الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 37 لسنة 2014، مُنهياً بذلك حقبة كاملة من الغموض الإجرائي رافقت الصفقات الكبرى لأكثر من عقد.
وفقاً لوزارة الاقتصاد والسياحة في الإمارات، تتولى إدارة المنافسة تطبيق الإطار الجديد ومتابعة الالتزام به. وتجدر الإشارة إلى أنّ الوزارة نفسها أُعيدت هيكلتها في 20 يونيو 2025 لتصبح وزارة الاقتصاد والسياحة، وهو ما يعكس اتساع نطاق ولايتها الرقابية على الاقتصاد الإماراتي.
الرسالة التي يبعثها المُشرّع واضحة: الدولة تنتقل من نموذج رقابة شكلي إلى منظومة على المستوى الدولي، أقرب في منطقها إلى الإطارين الأوروبي والخليجي المتقدّم. الصفقة لم تعد إخطاراً تقنياً — بل عملية موافقة كاملة يخضع فيها الاقتصاد الإماراتي للفحص.
متى يصبح الإخطار إلزامياً؟
وفق قرار مجلس الوزراء رقم 3 لسنة 2025، النافذ منذ 31 مارس 2025، يُلزَم أطراف الصفقة بتقديم إخطار مسبق إلى إدارة المنافسة عند بلوغ إحدى العتبتين التاليتين خلال السنة المالية السابقة:
- إجمالي مبيعات أطراف الصفقة في السوق ذات الصلة داخل الدولة يتجاوز 300 مليون درهم إماراتي (نحو 81.7 مليون دولار أو 79.2 مليون يورو)؛
- أو إجمالي حصة الأطراف في السوق ذات الصلة داخل الدولة يتجاوز 40 بالمئة وفق مبيعات السنة ذاتها.
النظام إلزامي وموقف في آن واحد. بمعنى أدق: يُحظر إتمام الصفقة قبل الحصول على موافقة صريحة من إدارة المنافسة، حتى لو استوفى الأطراف كل الشروط التجارية الأخرى. الإخفاق في هذه النقطة تحديداً هو ما يُحوّل صفقة نظيفة إلى نزاع مطوّل.
من يقدّم الإخطار؟
- في عمليات الاستحواذ: يقع الالتزام على عاتق الطرف المستحوذ وحده.
- في الاندماج والمشاريع المشتركة: يقع على جميع الأطراف المشاركة في التركّز الاقتصادي دون استثناء.
كيف يعمل الجدول الزمني للمراجعة؟
وفق تحليلات مكاتب المحاماة الدولية (White & Case، Covington & Burling)، يقوم الإطار الجديد على مسارَين متوازيَين ينبغي فهمهما بدقة قبل جدولة أي إغلاق للصفقة.
المسار الرئيسي:
- الفحص الشكلي لاكتمال الملف: 10 أيام عمل، قابلة للتمديد 10 أيام عمل إضافية.
- التقييم الموضوعي: 90 يوماً تقويمياً، قابلة للتمديد 45 يوماً تقويمياً بقرار وزاري.
- السكوت خلال المهلة يُعدّ رفضاً ضمنياً (deemed rejection)، لا موافقة صامتة.
هذه النقطة الأخيرة انقلاب جوهري في المنطق التنظيمي. من اعتاد على قواعد يُعتبر فيها الصمت موافقة، عليه أن يُعيد ضبط توقعاته بالكامل: الوزارة إن لم تُجب، فقد رفضت.
دورة الطرف الثالث (منفصلة):
- تنشر الوزارة على موقعها معلومات أساسية عن الصفقة.
- 15 يوم عمل مفتوحة لأصحاب المصلحة — المنافسين والعملاء والموردين — لتقديم اعتراضات وتعليقات وأدلة.
- عند وجود اعتراضات: 5 أيام عمل فحص شكلي، ثم 20 يوم عمل تقييم موضوعي قابل للتمديد 7 أيام عمل، تليها 10 أيام عمل لردّ أطراف الصفقة.
عملياً، تحتاج الصفقة النظيفة إلى ما بين أربعة وخمسة أشهر من لحظة تقديم ملف كامل إلى صدور القرار. أي جدولة تجارية أقصر من ذلك تنطوي على مخاطرة زمنية غير محسوبة.
الهيمنة لا تحتاج إلى 40 بالمئة
يشيع الاعتقاد بأن حصة سوقية تحت 40 بالمئة تُشكّل ملاذاً آمناً. اللائحة الجديدة تُغلق هذا الباب صراحةً. تعترف الوزارة بأن الهيمنة ممكنة عند حصص أدنى من ذلك بكثير متى توافرت مؤشرات نوعية داعمة.
العوامل التي تدرسها إدارة المنافسة تشمل:
- أحجام المبيعات المحلية وتركّزها الجغرافي داخل الدولة.
- مدى تبعية العملاء لمورد بعينه، وصعوبة التبديل.
- حضور الشركة في الأسواق المجاورة أفقياً وعمودياً.
- توافر البدائل الحقيقية للمستهلك أو المشتري المحترف.
- السلوك السعري مقابل المعايير التنافسية المرجعية.
- حواجز الدخول والخروج، من الترخيص إلى البنية التحتية.
- الاتفاقيات الحصرية أو طويلة الأجل التي تُقيّد المنافسين.
معنى ذلك أنّ التقييم الذاتي المسبق للصفقة لا يمكن أن يكتفي بحساب الحصة السوقية. صار مطلوباً بناء صورة اقتصادية مُتكاملة لكل تركّز، وهذا ما يُوثّقه المستند الإلزامي الجديد.
ملف الإخطار: ما الذي يجب تقديمه فعلاً؟
تفرض اللائحة إعداد «تقرير عن البُعد الاقتصادي للتركّز» كوثيقة محورية في الملف. يشمل التقرير عناصر لا يمكن تجميعها بين ليلة وضحاها:
- تعريف دقيق للأسواق ذات الصلة، منتجاً وجغرافيا، مع تبرير منهجي.
- ديناميكيات هذه الأسواق واتجاهاتها خلال السنوات الأخيرة.
- البيئة التنافسية، بما في ذلك المنافسون الفعليون والمحتملون.
- درجة التداخل الأفقي والعلاقات العمودية بين أطراف الصفقة.
- الأثر الإيجابي المُحتمل للصفقة على السوق، إن وُجد ورأى الأطراف الاستشهاد به.
إعداد ملف بهذه الجودة يتطلب تنسيقاً مبكراً بين الفريق القانوني وفريق الاقتصاديين وفريق التطوير الاستراتيجي داخل الشركة. البدء بعد التوقيع على SPA يعني، في أغلب الحالات، تأخير الإغلاق شهرين على الأقل.
صلاحيات جديدة وعقوبات تُقاس بالإيرادات
وسّعت اللائحة صلاحيات الجهة المنظمة إلى حدّ ملحوظ. فقد رسّمت إجراءات التحقيق والتسوية (settlements)، وأتاحت التفتيش الميداني (on-site inspections) على مقارّ الشركات، ووضعت متطلبات تعاون موسّعة على الأطراف الخاضعة للفحص.
وفق تحليلات مكاتب المحاماة الدولية (White & Case، Charles Russell Speechlys)، فإن المرسوم بقانون رقم 36 لسنة 2023 يُحدّد إطار العقوبات: غرامات كبيرة مرتبطة بالإيرادات السنوية داخل الإمارات. الربط بالإيرادات، وليس بمبلغ ثابت، يجعل الأثر المالي للمخالفة متناسباً مع حجم الشركة — وهو المنطق الذي تعتمده أنضج الأطر التنظيمية الدولية.
من هم الأكثر تأثراً؟
يمكن تصنيف الأثر عملياً في ست فئات لا تحتمل التأجيل:
- الشركات الكبرى: أي كيان بإيرادات إماراتية تبلغ 300 مليون درهم أو أكثر يجب أن يفترض أن كل صفقة اندماج أو استحواذ أو مشروع مشترك بعد 30 يوليو 2026 ستحتاج موافقة مسبقة، مع احتساب أربعة إلى خمسة أشهر في المسار النظيف.
- المشترون الأجانب: الاختصاص الإماراتي يمتدّ إليهم متى أثّرت الصفقة فعلاً على السوق داخل الدولة، بغضّ النظر عن مقرّ الأطراف.
- المناطق الحرة: النظام قابل للتطبيق شكلياً، والأثر الاقتصادي داخل الدولة هو المحرّك. لا استثناء تلقائياً؛ تُدرَس كل حالة على حدة مع المستشار.
- عقود SPA والـJV: يلزم إعادة صياغتها لتضمّن شرط الموافقة التنافسية وتاريخ long-stop يغطي 90 + 45 يوماً تقويمياً على الأقل.
- الحصص دون 40 بالمئة: ليست ملاذاً آمناً، والتقييم النوعي للهيمنة يظل مطروحاً.
- وظيفة الالتزام (Compliance): مطلوب التواصل مع مستشار المنافسة قبل 30 يوليو لكل صفقة مفتوحة حالياً في الأنبوب.
قائمة تنفيذية للأيام الـ 18 القادمة
- حصر كل صفقة اندماج أو استحواذ أو مشروع مشترك مفتوحة في الأنبوب، وتحديد ما إذا كانت تبلغ عتبتَي 300 مليون درهم أو 40 بالمئة داخل الدولة.
- مراجعة مسودات SPA والـJV القائمة وإدراج شرط الموافقة التنافسية وتاريخ long-stop لا يقل عن 135 يوماً تقويمياً بعد تقديم الإخطار.
- تكليف الفريق القانوني والاقتصادي بإعداد المسودة الأولى من «تقرير البُعد الاقتصادي للتركّز» لكل صفقة مرشحة، حتى قبل توقيع الملزم.
- عقد اجتماع مبكر مع مستشار منافسة إماراتي لصفقات الحصص تحت 40 بالمئة التي تنطوي على عوامل هيمنة نوعية.
- تحديث لوائح الالتزام الداخلية لتشمل بروتوكول التفتيش الميداني ومتطلبات التعاون الجديدة.
- جدولة مراجعة ربع سنوية للممارسات التجارية (اتفاقيات حصرية، تسعير، اتفاقيات طويلة الأجل) في ضوء الإطار التنظيمي الجديد.



