سجّل اقتصاد الإمارات في الربع الأول من عام 2026 نمواً حقيقياً بنسبة 3% على أساس سنوي، ليبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي 485 مليار درهم. القراءة الأعمق للأرقام تكشف أن القطاعات غير النفطية باتت المحرّك الأول للنمو، بحصة قاربت 80% من الاقتصاد الوطني.
قراءة أولى في الأرقام
وفقاً لبيانات المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء (FCSC) التي نشرتها وكالة أنباء الإمارات (وام) في 4 أغسطس 2026، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدولة إلى 485 مليار درهم بالأسعار الثابتة، مقارنةً بقاعدة معدّلة قدرها 470.9 مليار درهم في الربع المماثل من 2025. وتؤكد هذه القراءة استمرار مسار النمو الذي تشهده الدولة منذ عدة أرباع متتالية، رغم التباطؤ المحسوس في الاقتصاد العالمي.
ومن زاوية تحليلية، لا تكمن أهمية الرقم في نسبته المطلقة وحدها، بل في تركيبته. فالجزء الأكبر من هذا النمو جاء بعيداً عن النفط والغاز، مما يعكس تقدماً واقعياً في مسار التنويع الاقتصادي الذي تنتهجه الحكومة الاتحادية منذ سنوات.
القطاع غير النفطي يقود المشهد
ارتفع الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 4.8% على أساس سنوي في الربع الأول من 2026، لتصعد حصته من إجمالي الاقتصاد إلى 79.4%، صعوداً من 78.0% لكامل عام 2025. هذا التحوّل ليس رقماً إحصائياً عابراً؛ إنه إعادة رسم لتوازن الاقتصاد الوطني — نموذج يعتمد بصورة متزايدة على الخدمات والصناعات المعرفية والقطاع المالي، لا على العائدات الهيدروكربونية.
وفي تعليقه على الأداء، أشار معالي محمد بن عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إلى أن القطاعات غير النفطية — وفي مقدمتها التمويل والتجارة والتكنولوجيا — تتصدّر قاطرة النمو الحالي. وأكد معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، أن الأرقام «تعكس مرونة النموذج الاقتصادي الإماراتي وقدرته على الأداء الإيجابي وسط ظروف إقليمية وعالمية متغيّرة».
القطاعات الأسرع نمواً
على مستوى التفكيك القطاعي، جاءت الأنشطة المالية وأنشطة التأمين في المقدمة بنمو استثنائي بلغ 17.3% على أساس سنوي، مساهماً وحده بنحو 2.44 نقطة مئوية في النمو الإجمالي — وهي مساهمة تكاد تعادل بمفردها نمو الاقتصاد كلّه. هذه القفزة تنسجم مع موجة توسّع لافتة يشهدها مركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبوظبي العالمي (ADGM)، وتدفّق كبير لمكاتب إدارة الثروات والصناديق الأجنبية إلى الدولة.
وحلّ قطاع البناء والتشييد ثانياً بنمو 8.1% ومساهمة 1.04 نقطة مئوية، مدفوعاً بمشاريع البنية التحتية الكبرى وتوسّع سوق العقارات السكنية والتجارية في دبي وأبوظبي والشارقة. كما سجّل قطاع الصحة والعمل الاجتماعي نمواً بلغ 7.7%، وقطاع المعلومات والاتصالات 5.9%، فيما نمت الأنشطة العقارية بنسبة 4.8% بمساهمة 0.36 نقطة مئوية.
على الجانب الآخر، حافظت الأنشطة الحكومية على نمو مستقر بنسبة 4.5%، بينما سجّلت تجارة الجملة والتجزئة — وهي من أكبر القطاعات غير النفطية من حيث الحجم — نمواً بنسبة 2.6% أسهم بـ 0.42 نقطة مئوية في المشهد العام.
الصادرات غير النفطية ترسم رقماً قياسياً
لم يقتصر الأداء الإيجابي على السوق المحلية. ففي النصف الأول من 2026، بلغت الصادرات غير النفطية للإمارات 452.8 مليار درهم، بنمو 23.9% على أساس سنوي — وهو رقم قياسي جديد في تاريخ الدولة. هذا الأداء اللافت يُنسب في جانب كبير منه إلى شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) التي وقّعتها الإمارات مع عدد من الأسواق الرئيسية في آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، قال معالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير الدولة للتجارة الخارجية، إن «اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة تواصل فتح أسواق جديدة لصادرات الإمارات». عملياً، تحوّلت هذه الاتفاقيات إلى أداة مباشرة للمصدّرين المحليين والمستثمرين الأجانب المُوطّنين في الدولة، إذ تخفّض الرسوم الجمركية وتُبسّط شروط النفاذ إلى أسواق يزيد عدد سكانها الإجمالي على ملياري نسمة.
ماذا يعني ذلك لأصحاب الأعمال والمقيمين
خلف الأرقام الكلية، توجد قراءة عملية تعني الكثير لصاحب المشروع المحلي وللمستثمر الأجنبي المقيم في الإمارات. أولاً، النمو المتوازن بنسبة 3% في ظروف عالمية غير مواتية يعكس مرونة اقتصاد كلّي منخفض المخاطر النظامية نسبياً — بيئة مناسبة لتأسيس الأعمال، وتوسيع النشاط، وضخّ رأس المال طويل الأجل.
ثانياً، القفزة الاستثنائية للقطاع المالي بنسبة 17.3% لا تخصّ البنوك وحدها؛ بل تنعكس على توفّر التمويل، وتنوّع المنتجات المصرفية للشركات الصغيرة والمتوسطة، وسهولة الوصول إلى إدارة الأصول والتمويل الاستثماري. من يخطّط لإطلاق مشروع أو نقل هيكله المالي إلى الدولة، يجد أمامه سوقاً أكثر عمقاً وسيولة مقارنةً بأي وقت سابق.
ثالثاً، أن يشكّل القطاع غير النفطي 79.4% من الاقتصاد يعني عملياً أن اعتماد الدولة على تقلّبات أسعار النفط قد تراجع بصورة ملموسة، وأن دورة الأعمال المحلية باتت أقلّ ارتباطاً بأسواق الطاقة العالمية — وهذا مؤشر جوهري لأي شركة تُقيّم استقرار البيئة التشغيلية على المدى المتوسط. لمن يبحث في التوقعات الاقتصادية للإمارات لعام 2026 بصورة أشمل، توفّر أرقام الربع الأول أرضية قوية لبناء سيناريوهات تخطيط واقعية.
على الطريق إلى 3 تريليون درهم
يجب قراءة أرقام الربع الأول ضمن إطار أوسع: مستهدف استراتيجية «نحن الإمارات 2031» (We the UAE 2031)، التي تضع هدفاً واضحاً بمضاعفة حجم الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ 3 تريليون درهم بحلول عام 2031. وبالإيقاع الحالي للنمو، ومع استمرار مساهمة القطاعات المالية والتكنولوجية والصناعية غير النفطية، يتحرّك الاقتصاد الإماراتي على مسار يجعل هذا المستهدف قابلاً للتحقيق — شريطة أن تستمر مرونة الأداء عبر بقية العام.
بالنسبة للمستثمرين وأصحاب الأعمال، الرسالة العملية من بيانات هذا الربع مباشرة: الاقتصاد ينمو، والتنويع ينجح، والقطاع المالي يتوسّع، والصادرات تكسر الأرقام. هذه الأربعة معاً تصنع نافذة زمنية ملائمة لأي قرار توسّع أو تأسيس داخل الدولة، مدعومة ببيانات رسمية من FCSC ومصادر إعلامية موثوقة كوكالة أنباء الإمارات وصحيفة Gulf News.



