يدخل قرار مجلس الوزراء رقم 59 لسنة 2026 — اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم المنافسة — حيّز التنفيذ في 30 يوليو 2026، ليُعيد رسم قواعد الاندماج والاستحواذ في دولة الإمارات. تصبح الرقابة المسبقة على الصفقات إلزامية وموقفة، وتتوسّع صلاحيات وزارة الاقتصاد والسياحة في التحقيق والتفتيش. أمام أصحاب الأعمال ومستشاريهم القانونيين أيامٌ معدودة لمواءمة سياساتهم الداخلية قبل بدء السريان.
ما الذي يتغيّر في 30 يوليو 2026
يُلغي القرار 59/2026 لائحة عام 2014 (قرار مجلس الوزراء رقم 37) بعد أكثر من عقد من العمل بها، ويحلّ محلّها إطارٌ تنفيذيٌّ متكامل للمرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2023 بشأن تنظيم المنافسة. صدر القرار بتاريخ 20 أبريل 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية في 30 أبريل 2026، على أن يسري بعد ثلاثة أشهر من النشر.
تتمحور التعديلات حول أربعة أركان تُغيّر منطق الامتثال المُعتاد لدى المؤسسات العاملة في الدولة:
- رقابة اندماج إلزامية وموقفة — لا يجوز إغلاق الصفقات التي تتجاوز عتبات الإيرادات أو الحصة السوقية دون إذنٍ مسبق من الجهة المختصة.
- اختبار موسّع للمركز المهيمن — يتجاوز مؤشر الحصة السوقية عند 40% ليأخذ في الحسبان عوامل نوعية.
- حقوق الغير — يحصل المنافسون والعملاء والموردون على 15 يوم عمل لتقديم اعتراضاتهم بعد نشر إعلان الصفقة.
- إنفاذ بعد الإغلاق — تمتلك الوزارة صلاحية فتح التحقيق في الصفقات غير المُبلَّغ عنها ولو بعد إتمامها.
التغييرات الرئيسية للاندماج والاستحواذ
رقابة موقفة على الصفقات
يُرسّخ القرار مبدأ الرقابة الموقفة (Suspensive Control): كل صفقة تتجاوز العتبات المقررة تُلزَم بالحصول على قرار الجهة المختصة قبل الإغلاق. لم يعد الإخطار الشكلي بعد إتمام الاندماج مقبولاً — بات الإذن شرطاً لنفاذ الصفقة ذاتها.
اختبار المركز المهيمن يتجاوز الأرقام
لم تعُد الحصة السوقية عند 40% معياراً قاطعاً بحدّ ذاته. تنظر إدارة المنافسة اليوم إلى منظومة من العوامل النوعية: حواجز الدخول إلى السوق، درجة تبعية العملاء للمُورّد، الموارد المالية والتشغيلية، وسلوك التسعير على مدى فترات ممتدّة. يعني ذلك أن شركاتٍ تحتفظ بحصص أقل من العتبة الرقمية قد تُعامَل بوصفها مهيمنة إذا اكتمل لديها المزيج المذكور.
حقوق الغير والشفافية
تُنشر الصفقات محلّ الفحص على الموقع الإلكتروني للوزارة، ويحقّ لأي طرفٍ متأثر — منافس أو عميل أو مورّد — تقديم اعتراض مُسبَّب خلال 15 يوم عمل من تاريخ النشر. تُدرَج هذه الاعتراضات ضمن ملف الفحص وقد تُغيّر مسار القرار النهائي.
إنفاذ ما بعد الإغلاق
لأول مرة صراحةً، تُقرّر اللائحة صلاحية الوزارة في مراجعة صفقات مضت وإخضاعها للتحقيق إذا تبيّن أنها كانت خاضعة للإخطار الإلزامي ولم يُلتزم به. تشمل العقوبات المحتملة الغرامات المالية وإلغاء آثار الصفقة، وفق ما ينصّ عليه القانون الاتحادي رقم 36 لسنة 2023.
ملف الإخطار والوثائق المطلوبة
يُطالَب المُخطِر بإعداد ملف موسّع يشمل: القوائم المالية المدقَّقة لثلاث سنوات مالية سابقة، هيكل الملكية الكامل بما فيه المستفيد النهائي، تحليل السوق ذي الصلة، وتقييمٍ اقتصادي لأثر الصفقة على المنافسة. أي نقصٍ في الوثائق يُوقف مسار الفحص إلى حين استكماله.
الجداول الزمنية للفحص
تنقسم مراجعة الصفقة إلى مرحلتين: مرحلة أولية مدّتها 10 أيام عمل تتأكد فيها الوزارة من اكتمال الملف، ومرحلة رئيسية مدّتها 90 يوماً لدراسة الأثر التنافسي. يجوز تمديد المرحلة الرئيسية بمدة أقصاها 45 يوماً في الحالات المُركّبة. تبدأ المُدد من تاريخ اعتبار الملف مستوفياً، لا من تاريخ التقديم.
التفتيش الميداني ومبدأ الصمت
تحتفظ الوزارة بصلاحية إجراء تفتيشات ميدانية في مقارّ الأطراف للتحقق من الالتزام والحصول على الوثائق ذات الصلة. ومن أهم التغييرات في منطق الإجراء: الصمت الإداري لا يُفسَّر بوصفه موافقةً ضمنية، بل يُعدّ رفضاً. على المُخطِر أن ينتظر قراراً صريحاً قبل الإغلاق.
ما يجب على الشركات الإماراتية فعله قبل 30 يوليو
- تدقيق خط أنابيب صفقات M&A — مراجعة كل صفقة قيد التفاوض أو التوقيع على ضوء العتبات الجديدة، وتحديد ما إذا كانت تستوجب إخطاراً موقفاً.
- إعداد الملفات مسبقاً — تجميع القوائم المالية المدقَّقة لثلاث سنوات، وخرائط الملكية، وتحليل السوق قبل انطلاق العدّاد.
- رسم الحصة السوقية والعوامل النوعية — تقييم موقع الشركة ليس فقط بالنسبة المئوية، بل بحواجز الدخول وتبعية العملاء وسلوك التسعير.
- مراجعة الصفقات المُبرمة حديثاً — التأكد من أن الاندماجات المُغلقة في الأشهر الأخيرة لا تدخل ضمن نطاق الإنفاذ الرجعي.
- تعيين مسؤول امتثال داخلي — شخص مرجعي يتابع الملفات مع الوزارة، ويحفظ سجلات الإخطار والاعتراضات.
- تحديث قوالب العقود — إدراج شرط Regulatory Long-Stop وأحكام تعليق النفاذ إلى حين صدور الإذن.
- رصد منشورات وزارة الاقتصاد والسياحة — متابعة القرارات والاعتراضات المنشورة، للاستفادة من السوابق العملية أولاً بأول.
- مراجعة السياسات الداخلية — تحديث سياسة التسعير والتعامل مع الموزّعين والموردين، لتفادي المخالفات غير الاندماجية.
رأي Garant Business Consultancy
يُمثّل القرار 59/2026 نقلةً نوعية في نضج بيئة الأعمال الإماراتية؛ إذ ينقل رقابة المنافسة من الإطار الرسمي إلى ممارسةٍ رقابية فاعلة تُقارَن بأفضل الأنظمة الدولية. ستستفيد الشركات المُنظَّمة داخلياً — تلك التي تحتفظ بسجلاتها المالية والتشغيلية جاهزةً — من إطارٍ أكثر وضوحاً وقابليةً للتوقّع.
عملياً، ننصح عملاءنا بالتعامل مع الأيام القادمة على أنها نافذة تحضير لا مراقبة. أي صفقة مُخطَّطة للربع الثالث من 2026 تحتاج إلى إعادة تقييم فوري، خاصة تلك التي تقترب من عتبات الإيرادات أو الحصة السوقية. الاستعداد المُبكّر لملف الإخطار يوفّر أسابيع من التأخير ويمنع مخاطر الإغلاق دون إذن.
المصادر
- البوابة الرسمية للتشريعات في دولة الإمارات — uaelegislation.gov.ae (نص القرار 59/2026 والمرسوم بقانون اتحادي 36/2023).
- وزارة الاقتصاد والسياحة — moet.gov.ae (النماذج الإرشادية وقنوات الإخطار).
- تحليلات مكاتب المحاماة الدولية المتخصصة في قانون المنافسة في الإمارات (Al Tamimi & Company، Baker McKenzie Habib Al Mulla، White & Case، Charles Russell Speechlys، Addleshaw Goddard) للاطلاع على التفسيرات المهنية المستقلّة.


